Showing posts with label جريدة الأهرام. Show all posts
Showing posts with label جريدة الأهرام. Show all posts

Thursday, November 18, 2010

قسوة القلب البابا شنودة الثالث

قسوة القلب
بقلم: البابا شنودة الثالث


إن الله ـ تبارك اسمه ـ إله رحيم‏,‏ يتصف بالحنو والشفقة علي عباده ولا يعاملهم أبدا القسوة‏.‏ وهو يطيل أناته حتي علي الخطاة منهم‏,‏ ولايعاملهم بقسوة‏,‏ ولو أنه عاملهم بما يستحقون‏,‏ ماكان يمكن أن يخلص أحد‏..‏ وهو يريدنا أن نكون أيضا لطفاء بعضنا نحو بعض لانقسو علي غيرنا‏.

‏ ولا حتي علي الحيوان‏,‏ ومن هنا وجدت جمعيات للرفق بالحيوان‏.‏ والقسوة مكروهة من الكل‏,‏ وبخاصة من أصحاب القلوب الرقيقة‏.‏

‏**‏ونبدأ أولا بالحديث عن القسوة في محيط الأسرة‏:‏ فأحيانا يقسو الأب علي أولاد‏,‏ بحجة الحزم في تربيتهم‏,‏ وهكذا يفقدهم الحنان الذي يحتاجون إليه منه كمصدر طبيعي للحنان‏.‏ فيضطر بعضهم الي طلب الحنان من مصدرخارجي غير مضمونة نتائجه‏,‏ وفي محيط الأسرة قد يقسو الزوج أيضا علي زوجته وبسبب غيرته الخاطئة قد يراقبها في كل أعمالها وأقوالها كما لوكانت متهمة أمامه‏.‏ وبعض الأزواج قد يحبسون زوجاتهم فلايخرجن إلا بإذن أو بسبب جوهري‏.‏ بل قد تصل القسوة أحيانا إلي الضرب‏..‏ وما أسهل ماينتهي الأمر في مثل هذه العلاقة الزوجية إلي الطلاق أو الخلع‏.‏

وهناك نوع آخر من القسوة في محيط الأسرة حينما يطلب الأبناء من آبائهم نفقات معينة تفوق قدرتهم المالية بكثير‏,‏ وأيضا حينما تطلب الزوجة طلبات فوق قدرة زوجها‏.‏ ولكن أبشع ماقرأنا عنه في الجرائد هو قسوة بعض الأبناء علي آبائهم أو أمهاتهم لدرجة القتل‏.‏عجيب أن يقتل شخص أباه أو أمه في شيخوخة أحدهما وعدم قدرته في الدفاع عن نفسه‏..‏ إنه لون من ألوان القسوة البشعة‏.‏

‏**‏ والمعروف أن القسوة تبدأ أولا في القلب‏,‏ وقد تتطور إلي قسوة في اللسان من جهة الكلمة القاسية أو النظرة القاسية‏.‏ وقد قال سليمان الحكيم في ذلك‏:‏ الجواب اللين يصرف الغضب‏,‏والكلام الموجع يهيج السخط‏,‏ ولذلك ننصح كل أحد أن يتخير ألفاظه التي يتكلم بها مع الآخرين فيبعد عن كلمة جارحة وعن كلمات الإهانة‏,‏ وكلمات التهكم وخصوصا التهكم اللاذع لأنه جارح أيضا‏.‏ لأن الله لايعاقب فقط علي المعاملة السيئة وإنما ايضا عن مجرد الكلام السييء إن القسوة كما تخرج من القلب وتصل إلي اللسان وإلي النظرة القاسية حينما تصل كذلك إلي المعاملة‏.‏ولعلنا نذكر ايضا قسوة الحماة في معاملة زوجة ابنها بحجة محبتها لهذا الابن‏,‏ بينما عليها ان تحبه للحفاظ علي استقراره في حياته العائلية‏,‏ وكذلك عليها أن تحب زوجة ابنها باعتبارها ابنة لها أيضا‏.‏

إن القسوة تظهر أيضا في درجة العقوبة‏..‏ فهناك رئيس في العمل يحاسب بلارحمة علي كل صغيرة وكبيرة وفي قسوته لايمكن أن يجد عذرا لأحد من الذين يعملون تحت رئاسته‏.‏ وإذا عاقب يفرض أقصي عقوبة ممكنة‏..‏ وأحيانا قد تصل عقوبته إلي فصل هذا العامل من وظيفته‏,‏ والقائه الي الشارع بلا رزق وبلا حنو غير واضح في نفسه مصير هذا الإنسان وأسرته معه‏!‏ بينما هناك درجات من العقوبات يمكن أن تفرض‏,‏ أما القساة فيفرضون أصعب العقوبات ولايبالون‏:‏ وقد توجد القسوة أيضا بين صديق وصديقه‏,‏ في لون العتاب ودرجته‏.‏

فالعتاب القاسي هو الذي يكون بشدة وعنف وباتهامات تكون سببا في ضياع العلاقة بين الاثنين‏.‏ وكما قال الشاعر‏:‏
ودع العتاب فرب شر‏..‏ كان أوله العتابا

**‏ إن القلب القاسي هو بعيد عن الوداعة والرحمة وعن الشفقة والحنو‏,‏ بل انه يتصف بالعنف أيضا‏.‏ بينما يطلب منا الله أن نكون لطفاء‏,‏ بعضنا نحو بعض‏,‏ بعيدين عن القسوة‏.‏

**‏والقسوة عموما منفرة لايقبلها أحد‏,‏ والقاسي قد يخسر الآخرين‏,‏ ويعطي صورة سيئة عن نفسه‏.‏ وما اكثر النتائج الضارة من القسوة للشخص نفسه وللآخرين‏.‏ وقساوة القلب قد تدفع إلي الحدة والي الغضب‏,‏ وتشتعل مشاعر القاسي ضد غيره بسرعة ويحتد ويثور ويهدد ولا يحتمل أن يمسه أحد بكلمة‏,‏ وفي نفس الوقت لايراعي مشاعر الآخرين فيجرح غيره بسهولة وفي لامبالاة‏,‏ والعجيب أن الإنسان القاسي يجمع بين أمرين متناقضين‏:‏ فيكون حساسا جدا من جهة المعاملة التي يعامله بها الناس‏,‏ ولا إحساس له من جهة وقع معاملته القاسية علي الآخرين‏.‏والقسوة قد تكون علي الجسد أو علي النفس‏,‏ فأبشع قسوة علي الجسد هي في تعذيبه‏,‏ كما كان يفعل الضباط الرومان‏,‏ ومن أمثلة ذلك ما رأيته في إنجلترا في مكان يسمي بيت الرعب‏,‏ فيه نماذج من ألوان التعذيب التي حدثت في بعض العصور‏,‏ أما القسوة علي النفس فيكون ذلك بإذلالها وفي التشهيربها وفي المعاملة المهينة لها ومن أمثال ذلك معاملة العبيد‏,‏ ويحضرني هنا قول الشاعر‏:‏
لاتشتر العبد إلا والعصا معه‏..‏ إن العبيد لأنجاس مناكيد‏.‏ حيث كان العبد يحرم من كل حقوقه البشرية أحيانا إلي جوار ضربه وجلده‏.‏ ونذكر أيضا في هذا المجال المعاملة القاسيةالتي كان البيض يعاملون بها السود في القرون الماضية‏.‏ وقد تعرض لبعض هذه المعاملة المهاتما غاندي حينما كان محاميا في جنوب إفريقيا قبل ذهابه إلي الهند‏,‏ ولعل من الأمثلة البارزة للقسوة في التاريخ قسوة فرعون‏.‏

**‏ هناك قسوة أخري تظهر في قلب البخيل الذي يرفض أن يحن ويشفق علي المحتاجين مهما كان سوء حالتهم‏.‏ وهناك لون آخر من القسوة في التعليم الذي يفرض علي البعض درجة فوق مستوي قدرتهم‏.‏ ومن أمثلة ذلك المعلمون الذين لايراعون المستوي الذي يناسب كل أحد من جهة قدرته الروحية‏.‏ علي أن هناك أشخاصا قساة القلب من جهة رفضهم لعمل الله في قلوبهم‏,‏ فهم يرون وصايا الله ثقيلة عليهم‏,‏ بينما الثقل كله هو في قلوبهم وإرادتهم‏.‏ الواحد منهم لايتأثر بالكلام الروحي‏,‏ بل قد يسخر ويتهكم ويرفض السماع‏!!‏ ومن أمثلة هؤلاء الوجوديون الذين يرون أن وصايا الله تلغي وجودهم وحريتهم فمن الخير أن الله لا يوجد لكي يتمتعوا هم بذلك الوجود الوهمي‏.



جريدة الأهرام - الأحد 16 من ذى القعدة 1431 هـ 24 اكتوبر 2010 السنة 135 العدد 45247


الإهتمام بالغير البابا شنوده الثالث

الاهتمام بالغير
بقلم: البابا شنودة الثالث
البابا شنودة الثالث

ان اهتمامنا بالغير هو مظهر عملي لمحبتنا للناس‏,‏ وفي الاهتمام بالغير‏,‏ لايعيش الإنسان لنفسه فقط‏,‏ بل يهتم بما لغيره كما يهتم بما لنفسه‏,‏ وربما أكثر‏,‏ إذ يؤثر غيره علي نفسه‏,‏ لو ينسي ذاته في محبته للآخرين‏,‏ فهو يؤمن تماما ان حياته ليست ملكا له‏.‏

انما هي ملك للمجتمع الذي يعيش فيه‏,‏ وفيما يهتم الإنسان الروحي بالكل‏,‏ نراه يتعب ليستريح غيره‏,‏ فهو يهتم بمشاعر الناس وفي محاولة إسعادهم‏,‏ ويندمج في مشاعرهم‏,‏ دموع الناس تسير من عينيه‏,‏ وتسقط من جفنيه‏,‏ وافراح الناس تنبع من قلبه قبل ان تنبع من قلوبهم‏.‏

‏..‏ أول مثل قدمته لنا الطبيعة في الاهتمام بالغير‏,‏ هو مثال الأمومة المحبة الحانية‏,‏ فالأم تفكر في طفلها أكثر مما تفكر في نفسها‏,‏ تسهر حتي تطمئن انه قد نام‏,‏ وتتعب لكي يستريح هو‏,‏ ولاتتبرم بأي طلب يطلبه‏,‏ تبتسم إذا ابتسم‏,‏ بل ان ابتسامة هذا الطفل ترتسم علي شفتي امه قبل ان ترتسم كاملة علي شفتيه‏,‏ لقد أوجد الله في قلب الأم عواطف الحب والحنان والبذل والاهتمام بطفلها أكثر من الاهتمام بنفسها‏.‏

‏..‏ إن مشاعر الاهتمام بالغير تنزع من القلب الانانية والاهتمام بالذات‏,‏ فيرفض الإنسان تماما ان يبني راحته علي تعب الآخرين‏,‏ بعكس ذلك الشخص الذي يلوث الجو بدخان سيجارته‏,.‏ ولايعبأ في ذلك ان الغير قد تؤذي صحته بتدخينه هو‏,‏ ويضطر علي الرغم منه ان يستشق الدخان الفاسد الذي ينفثه المدخنون‏,‏ ولهذا فإن شركات الطيران لاتصرح للركاب بالتدخين في كثير من الرحلات‏,‏ ومن أمثلة غير المهتمين بغيرهم‏,‏ من يرفع صوته بطريقة تعكر الهدوء‏,‏ وتعطل غيره عن التفكير أو القراءة‏,‏ أو من يركن عربته في موضع تعاكس عربات غيره دون ان يبالي‏,‏ ولكنها الانانية التي لاتهتم بغيرها‏.‏

‏..‏ أما الإنسان المهتم بغيره‏,‏ فلا مانع عنده من ان يتعب ليستريح الغير‏,‏ وهو لايطلب ما لنفسه‏,‏ واهتمامه بغيره ينبع من محبته للغير‏,‏ وأيضا من محبته للخير‏,‏ وبغيره لايزاحم الناس في طريق الحياة‏,‏ إنما يفسح لهم الطريق ليعبروه‏,‏ ولايمتنع في ان يتقدموا عليه وهو يفعل ذلك باهتمام وليس بمجرد شكلية‏,‏ انه شعور ينبع من قلبه ويدفعه لبذل الجهد الذي يناسب اهتمامه‏.‏

‏..‏ والاهتمام بالآخرين يشمل العناية بهم من كل ناحية‏,‏ سواء من الناحية المادية أو الاجتماعية أو من الناحية الروحية‏,‏ او من جهة نفيستهم ومشاعرهم وراحتهم‏,‏ وحل مشاكلهم‏,‏ واشعارهم ان هناك من يسندهم ويقف إلي جوارهم‏,‏ فإن كثيرين من الذين لايهتم بهم أحد يقول الواحد منهم‏:‏ لايوجد أحد بما يشعر بما انا فيه‏,‏ أو يحس بحالتي‏!!‏

‏..‏ والاهتمام بالغير يكون أحيانا في نطاق العمل‏.‏ فهناك فرق بين موظف وموظف‏:‏ الموظف الذي يهتم براحة الجمهور‏,‏ يظهر اهتماهه في بذل كل الجهد لراحتهم‏,‏ ودون تأخير‏,‏ اما الموظف الروتيني‏,‏ فانه يماطلهم ويطلب إليهم ان يعودوا إليه في موعد آخر‏,‏ وقد يضع العراقيل في طريق قضاء مصلحتهم‏,‏ ولذلك اتذكر انني قلت ذات مرة‏,‏ الموظف المتعاون يحاول ان يجد حلا لكل مشكلة‏,‏ اما الموظف الروتيني فقد يجد مشكلة لكل حل‏!!‏

‏..‏ المهتم بالآخرين يظهر اهتمامه بالإسهام في حل مشكلاتهم‏,‏ إذ يعتبر ان مشكلة الغير كأنها مشكلته شخصيا‏,‏ ويهتم بحلها مهما كلفه ذلك من جهد‏,‏ ويكون سعيدا ان وصل فيها إلي حل‏,‏ لأنه يشعر بفرح في اسعاد الآخرين‏,‏ وانقاذهم مما هم فيه من ضيقات‏,‏ ولاشك ان الناس يشعرون باهتمامه واخلاصه‏,‏ علي الرغم من ان الأمر لايدخل في نطاق مسئوليته ولكن اهتمامه يترك في نفوسهم اثرا عميقا هذا الإنسان الذي يفكر فيهم وفي اسعادهم‏.‏

‏..‏ والاهتمام بالغير يمكن تطبيقه علي مستوي الاسرة‏,‏ حيث يبذل الزوج كل طاقته في ان يهتم كل الاهتمام براحة زوجته واولاده‏,‏ وكذلك الزوجة تهتم كل الاهتمام براحة زوجها‏,‏ ويهتم الاثنان براحة اولادهما‏,‏ وان الاهتمام المتبادل فطبيعي ان لاتحدث اطلاقا حوادث الطلاق التي نسمع عنها‏,‏ ان مثل هذا الاهتمام في محيط الأسرة او بين كل افراد المجتمع‏,‏ هو مايسميه البعض بالعقد الاجتماعي‏,‏ حيث يكون الاهتمام علي المستوي الاجتماعي والشخصي‏,‏ فيتدرب الإنسان في بيته علي الاهتمام بأهله واخوته واقربائه بل وجيرانه أيضا‏,‏ وفي مكان عمله يتعود كيف يهتم بزملائه‏,‏ ثم يتطور حتي يهتم بجميع الناس‏,‏ ويعيش كإنسان نشيط في المجتمع يخدم الكل‏,‏ ويصير إنسانا خدوما يحب الجميع‏,‏ وباهتمامه بهم يجذبهم أيضا إلي محبته‏,‏ وهذا الاهتمام بالغير يشغل فكر الإنسان المحب ويشغل عواطفه‏,‏ فيتناوله بجدية ولايهمله مطلقا‏,‏ هناك فرق بين إنسان تطلب تدخله في مسألة معينة‏,‏ فيقول لك‏:‏ انا فاكر موضوعك‏,‏ وبين اخر يقول لك‏:‏ انا مهتم بموضوعك‏,‏ ويظهر اهتمامه هذا عمليا‏,‏ إنسان يهمك امره‏,‏ فتقابله‏,‏ وتكلمه باهتمام‏,‏ وتعامله باهتمام‏,‏ ويظهر اهتمامك به في طريقه للقائك به وفي تحيتك له‏,‏ وفي عدم احراجه حينما تساعده‏,‏ ان اهتمامك بالغير يظهر في ملامح وجهك‏,‏ وفي نبرات صوتك‏,‏ انه اهتمام يشعر به من يتعامل معك‏,‏ دون ان تعلن له انك مهتم به وبما يعرضه عليك من موضوعات‏.‏

‏..‏ يظهر اهتمامك بالغير أيضا دون ان تطلب هذا منه‏,‏ فهناك شخص قد يكون في خطر وهو لايشعر بذلك‏,‏ وقد يحتاج إلي انقاذ دون ان يعرف إلي من يلجأ‏,‏ ويصل إليك موضوعه بطريق غير مباشر‏,‏ فتهتم به وتنقذه دون ان يطلب‏,‏ ويظهر الاهتمام بالغير أيضا في الأمور الروحية‏,‏ فقد يكون شخص غارقا في عمق الخطية‏,‏ وهو لايطلب الخلاص منها‏,‏ لانه لايريد ذلك‏.‏ وتهتم انت بخلاصة دون أن يسألك معونة في ذلك‏,‏ وتعمل كل ماتستطيع لكي تقوده إلي التوبة‏,‏ بكل حب واحتمال وطول اناة‏,‏ هذا النوع هو الاهتمام الروحي‏,‏ وقد يكون من عمل الرعاة والمرشدين الروحيين كما يكون من عمل الاجتماعيين الذين يهمهم سلامة أفراد المجتمع من الضياع‏,‏ مثال ذلك المهتمون بعلاج المدمنين وانقاذهم من الإدمان‏.‏
وانت إيها القارئ العزيز لعلك تشارك في الاهتمام بالغير من أي نوع يصل إليك‏.‏


جريدة الأهرام - الأحد 5 من رمضان 1431 هــ 15 اغسطس 2010 السنة 135 العدد 45177





Share

Facebook Comments

Popular Posts

My Blog List

Twitter